أكثر من مجرد أدب

من يكتب التأريخ؟
حتما ستطرق باب ذاكرتك فور طرح السؤال عليك كلمة المنتصرين، فمن منا يجهل إمكانية التحريف والتعديل وربما إحداث بعض التشويه كذلك في صفحات التأريخ، وليس هذا مقتصرا على زمن كتابته فحسب، بل يتعدى ذلك فتمر قرون ويستمر رواد كل قرن بإختلاق بعض الأكاذيب التي يجعلون بها التأريخ منحاز إلى صفهم وبمثابة داعم لهم أمام السذج واللامدركين.

إذا يكتب المنتصرون التأريخ، فمن يا ترى يكتب عن التأريخ؟ من يقيم كتابة المنتصرين للتأريخ؟ من يعلق على أحداث -ربما وقعت وربما لا- خطت كجزء من التأريخ؟
والأهم: من يكتب عن ثورات وانتفاضات الشعوب كأهم ما قد يوصله لنا التأريخ؟ يوصل كتّاب التأريخ ما حدث خلال إحدى الثورات مثلا -من وجهة نظرهم- لمن بعدهم ممن لم يشهدوا الأحداث أو يعاصروا تلك الحقبة من الزمن، وما إن يتلقى المتأخرون تلك التفاصيل، حتى يبدأ عهد جديد من إعادة صياغة لتلك الأحداث، فتخرج أخيرا متمثلة في نتاج أدبي كأرق ما يكون بالرغم من مدى قسوة التفاصيل.

لتنسج من خيوط الألم ثوبا من طرب، لتصف لبنات من شقاء فيتشكل كبناء من ارتياح،ولترسم بألوان من دم لوحة مزدهرة الاخضرار. أنت حتما بحاجة لمساعدة شخص مثل: إبراهيم نصر الله، رضوى عاشور، غسان كنفاني؛ فهم وأمثالهم وحدهم القادرون على إقران المتضادات، وخلق عظيم التناغم وجزيل الانسجام بين المتناقضات.

قد نظن أنه من اليسير سرد بعض التفاصيل عن حدث ما، اختلاق عدد من الأسماء كشخصيات معاصرة لذاك الحدث، ومن ثم تضمين حيواتهم الآثار الناجمة عن وقوع ذاك الحدث.
كيف نستصعب ذلك بينما لم نختبر شعور التحدث باسم شعب، جمع الصرخات من حناجر المعذبين لإطلاقها كصرخة واحدة تهز الكون وقاطنيه، إعادة صياغة آلام الأفراد المتفرقة لتكون ألما هائلا لا يستشعره سوى الصائغ.

باختصار: إن الأمر هو الأشبه بعصف ذهني يقوم به الكاتب ليستحضر ماض موجع كان قد بذل جهدا كبيرا في محاولة نسيانه!
حتى الثوار يعيشون الألم مرة، بينما يعيشه أدباء الثورة مليون مرة.

أنت ثوري، إذا أنت بهي..
أنت أديب ثورة، إذا أنت عظيم..

Leave a comment

Your email address will not be published.